الثلاثاء، فبراير 27، 2018

الشاعرة ريتا دوف قاصة لتاريخ المواطنين الأفروأمريكان

كانت الشاعرة الأمريكية ريتا دوف وزوجها، الروائي الألماني فرد فايبان، يعملان في غرفتين منفصلتين ببيتهما عندما أبرقت السماء. وبرغم أنهما لم يصابا بأي أذى، شاهد الزوجان، في حالة عجز عن عمل أي شيء، ألسنة اللهيب امتدت من الطابق العلوي (السندرة)، واحترق الطابق الثاني في البيت مما أدى إلى إلحاق ضرر بالغ بالبناية بأكملها، وإتلاف المخطوطات والصور الفوتوغرافية وملفات الكمبيوتر وقدر كبير من مجموعتهما الفنية المحببة.
ولا غرو أن يدمر الحادث للزوجين نفسيتهما. وتتذكر دوف: "في نهاية هذا الأسبوع المفجع، زارتنا مجموعة من جيراننا ومعهم تذكرتان لحضور حفل عشاء خيري راقصاً. وقالوا "لقد آن الوقت لكي تخرجا من الرماد. ريتا، اذهبي واشتري فستاناً فرد، اشتر تكسيدو. سوف نرقص". ثم قالت: كان ذلك أفضل شيء كان يمكن أن يفعلوه، لأنهم أظهروا لنا أنه كان لا يزال هناك جمال في العالم، ومتعة واستهتار
"
 
 هكذا تصف ريتا موقف كاشف لشخصيتها ولتعاطيها مع كونها امرأة أمريكية من اصل افريقي , هذه القوة والمحبة للحياة بالاضافة إلى الطاقة الإبداعية الهائلة مكنتها تلك العوامل من الوصول لجائزة البوليتزر الامريكية في1987 كما شغلت العديدة من المناصب الهامة،كان منها منصب مستشارة لمكتبة الكونغرس بين عامي 1993-1995 ومنصب الشاعر كومنولث فيرجينيا في شارلوتسفيل. ‏
 نالت أيضا لقب شاعر الولايات المتحدة وهو منصب يحاكي نظيره الإنجليزي الذي يسمي شاعر بلاط المملكة المتحدة.هذا المنصب يمنحه الكونجرس لأحد الشعراء هذا المنصب يمنح بالانتخاب بين الشعراء والنقاد في الولايات المتحدة و ومن مهام صلحب المنصب زيادة وعي الناس بالشعر
على ملك الشعراء أن يقرأ محاضرة سنوية وشيئاً من شعره، وعادةً ما يقدم شعراء جدد خلال السلسلة السنوية الشعرية للمكتبة. بدأت سلسلة القراءات الأدبية الشعرية والنثرية والمحاضرات والندوات في أربعينات القرن العشرين، وقد أحضر ملوك الشعراء مجتمعين أكثر من ألفي شاعر ليقرؤا شعرهم في المكتبة..
يضفي كل شاعر في هذا المنصب لمسته الخاصة عليه. فعلى سبيل المثال، طٌرح يوسف برودسكي فكرة تقديم الشعر في المطارات والفنادق، وكانت غويندولين
 تلتقي مع تلاميذ المدارس الابتدائية وتشجعهم على كتابة الشعر.
نالت ايضا ريتا دوف جائزة بوليتزر للشعر, وهي من أهم الجوائز الثقافية   في الولايات المتحدة, والتي تمنحها جامعة كولومبيا ضمن فروع أخرى مثل الصحافة والدراما والموسيقى. وهي الجائزة التي سميت علي أسم الصحفي الأمريكي _المجري جوزيف بوليتزر, تتذكر ريتا دوف ذلك اليوم البعيد في سنة 1987 _حين استلمت الجائزة _ بإنه كان يوم بالغ الاهمية وانها اشترت لذلك اليوم فستانا من اللون الأزرق الفاتح وقام زوجها فريد فابيان بتصويرها من خارج قاعة الاحتفال حتى الكرسي المخصص لها في القاعة عن طريق كاميرا فيديو محمولة علي الكتف, وانه ابقى التصوير متواصلا طوال الحفل, تقول ريتا ان صديقها اغسطس ويلسون  الذي كان يكتب الشعر نال تلك الجائزة عن الدراما , وكتب لها قصيدة مخصوصة لذلك اليوم, وتقول انها كانت وقت استلام الجائزة انها كانت تسير على سحابة من التبريكات والتغطية الإعلامية وان الغذاء هو ما جعل حفل استلام جائزة البوليتزر حقيقيا وبشريا..
نالت دوف البوليتز أشهر مجموعاتها الشعرية "توماس وبيولا"، وهي مجموعة قصائد عن حياة جد وجدة الشاعرة، في 1987. وكانت دو ثاني شاعرة، أو شاعر أميركي أفريقي يحصل على جائزة بوليتزر، وفي 1999، أُعيد تعيينها كمستشارة خاصة في الشعر لمكتبة الكونغرس عن المدة 1999 ـ 2000 وهما سنتا الاحتفال بمرور مائتي عام على إنشاء مكتبة الكونجرس. وهي تقوم بالتدريس في جامعة فرجينيا منذ ذلك الحين..
عندما ندخل إلى عالم ريتا دوف الشعري  لنعرف  أهم ركائز مشروعها الإبداعي نلاحظ انها ترتكز على  ركيزتين هامتين, الأولى هي ما فرضته عليها الحياة كونها امريكية ملونة تعّرف بأنها امرأة سوداء, وبأنها قاصة لتاريخ المواطنين الأفرو امريكان بكل ما يحمله من معاناة في الولايات المتحدة وخارجها.
كتبت الشاعرة ريتا دوف في كلمة لها عن «لغة الحياة»: " بقدونس" ، قصيدة مبنية على ما حدث في جمهورية الدومينكيان عام .1937 الجنزال رافائيل تروجيلو، الديكتاتور في ذلك الحين، اختار أن يقتل 200 ألف من سكان ولاية هاييتي السود الذين يعملون في حقول قصب السكر جنباً الى جنب مع أهالي الدومينيكان, فعل ذلك بطريقة مزرية جدا ومبتكرة. الهاييتيون يتحدثون فرنسية أوروبية تخص المونيين، خلافا للإسبان، الذين لا يلفظون حرف الراء جيدا فيبدو للسامع كما لو أنه لام . تروجيلو فرض على كل العمال التلفظ بكلمة بقدونس. وكل شخص نطق الكلمة باللام بدل الراء، تم قتله. لقد جعلهم يلفظون كلمة موتهم. هذا القبح الفظيع هو الذي أخذ جلّ اهتمامي.. ... وتقول أيضا عن اختيار هذه القصيدة للالقاء في البيت الأبيض: هنا في البيت الأبيض، في مكتب السلطة العليا، أردت أن أتحدث عن استخدام السلطة. وكذلك أردت أن أتكلم عن مدى أهمية أن نضع أنفسنا في ثوب الشخص الآخر في أي درك من دروب الحياة. في هذه القصيدة، حاولت أن أساعد في فهم مسألة: كيف وصل تروجيلو إلى هذه الكلمة، ليس فقط كي أقول كم كان ديكتاتورا رهيبا، بل ليتسنى لنا نحن أن نلاحظ بأن الشيطان أيضاً يستطيع أن يكون مبدعاً.... (نيويورك، دبل داي، 1995). هنا القصيدة كاملة وتتألف من فصل أول حول حقول قصب السكر التي كان يعمل فيها ضحايا الديكتاتور، وفصل ثان تصف فيه الديكتاتور في القصر. وكاترينا، وهي والدة الجنرال الديكتاتور
مثل ببغاء يقلّد الربيع،
نرتمي أرضاً صارخين والمطر يرشقنا صافعاً
فنبزغ خضراً. لا نستطيع أن نلفظ حرف الراء
قصب السّكر من المستنقع يظهر للعيان
وهناك الجبل الذي نسميه همساً كاتالينا.
الأطفال يقضمون أسنانهم، فتستحيل مدببة كرأس السهام.
هناك ببغاء يقلد الربيع.
Perjil
الجنزال المعظّم وجد كلمته: بيرجيل  
من يلفظها، ينجُ. إنه يضحك، أسنانه تلمع
في المستنقع ظاهرة للعيان. قصب السّكر
في أحلامنا، تسوطه الرياح والسيول.
ونرتمي أرضاً. من أجل كل نقطة من الدم
هناك ببغاء يقلد الربيع
..
تقول  ريتا دوف عن المسافة بين الواقعه التاريخية و المخيلة الروائية التي اكتنفت النص: الحقيقة الشيء الوحيد في القصيدة هو نتيجة البحث عن حقيقة تورجيلو الذي تسبب في هذا الحدث، وحقيقة أن أهالي هاييتي كانوا يشتغلون في حقول قصب السكر. وأيضاً الناس الذين لا يستطيعون أن يلفظوا حرف «الراء» فتخرج كما لو انها «لام» فتقرأ «كاتالينا بدلا من كاترينا». لكن ما تبقى من النص، وما يحدث في ذهن تورجيلو ومحاولته في أن يجد طريقة لقتل أحد ما، فهذا من إبداعي..
..
 اما عن قصائد ريتا دوف المتوهجة بالحسّية الناعمة. فقد ابدعت في عدد من القصائد والمجاميع الشعرية  من اهمها واجملها قصيده "بوليرو"
تقول دوف : (هذا ليس الصوت المتصاعد لآلات/الموسيقي رافل/بل هو عبارة/عن شغف اعتق/وأمضى: امرأة ذات وركين تدرك متى تحركهما،/ولا تخفي شيئاً/سوى الألم/الذي تصطحبه معها فيما تغوص، تحف بجسدها، ثم ترتفع/ثانية بحلاوة صوب ذراعيه/ليست/رقيقة. ليست مدجنة. مغنية البلوز بسي سميث في حلم الأيام الخوالي/تشدو "ألا ترى؟"./مكبوحة ليس كما الممثلة في ظهورها الأول،/ولا كما العروس التي تتظاهر/انها تفهم كل الحكاية/كيف حدث ان كل شيء يؤلم! كل دفق صوب اصبع/قدم نابض،/ذاك النزول المتطاول/صوب الأرض،/صوبه (يا لمَ فعله الحب وضنى القلب بي),/جسدها شرس،/نباح مروع من لحم الجسد/هي تعبده ـ وهو يتذوق ذاك الوله، هذا/الرجل مغرم بالنظرات./تشعر بنظرته/بتنهيدته/وتتحرك، تتحرك معه على ايقاع الموسيقى ضمن/الحيز المخصص لهما،/المضاء على طول الأرضية الخشبية)..
كذلك قصيدتها "قميصه" التي تتخلى فيها عن الغموض والاحالات التي كثيرا تلجأ لها في لعبها مع القارئ فتقول دوف": ( لا يكشف ألوانه الحقيقية/ أزرق ومن قماش عادي/إلى حد ان أيا كان في إمكانه شراؤه/ أنا وحدي أعرفه/ قميصه/ وفي بعض اوقات النهار فحسب/عند الفجر هو راية وسط ساحة/ ينتظر التقاط نور البرد/ ومفتوحا/ يتحول شراعاً فجأة / فرح لا يحد)
 وتقول دوف في قصيدة علمنا ان نعد ايامنا : ( في الجوار العتيق,كل جنازة رواق/ كل رواق اتقن صنعه من سابقه/ الأزقة تعبق بروائح الشرطة وبالمسدسات المرتطمة بالأفخاذ/ كل حجرة مسلحة برصاصة ناعمة/شرفات رخيصة الأجرة ترتص صاعدة نحو السماء ولد يلعب الغميضة مع قمر/ وخطته هوائيات التلفزة والأحلام).



ان شعر دوف، كما تشير موسوعة "الدليل إلى الشعر الأميركي في القرن العشرين"، يتجنب إصدار أحكام خطابية بشأن التفرقة العنصرية، وبدلاً من ذلك، تعبّر دو من خلال شخصيات فردية، وأحداث معينة، كيف تشكل هذه الأحداث حيوات وعقول الشخصيات
إن تنوع الموضوع من شعر دوف يذكر القارئ بأن الكاتب الأميركي ـ الأفريقي لا يحتاج إلى ان يختار بين الانخراط الاجتماعي والوعي التاريخي، والخيالي والمتعدد الثقافات والذي يُعرف في الغالب بالحداثة. وتقول الناقدة تيريز ستيفن "إن عمل دو يوثق ويُثري الأدب الأوروبي الأميركي والحوار الإنساني. ودمجت دوف خلفيات أميركية ـ أفريقية، وألمانية ويونانية بصفة خاصة، آسره ومثمره.
 
النقاد الأمريكين أيضا يميلون الى  الثناء على الكتاب الأفروأمريكان باعتبارهم مواطنين امريكيين, معنيين بالفن والثقافة واـكثر من كونهم معنيين بكونهم أصحاب مظالم اجتماعية ومتحدثين في قضية التمييز العنصري

 لكن حصلت دوف على أكبر مديح عن كتب تتناول القضايا العنصرية بعمق.
 مجموعتها الشعرية "توماس وبيولا"لهاخلفية اجتماعية لانعدام المساواة والتوتر العنصري، بينما تحكي قصص حياة الجدّين. وفي "روست بوسوم" يقرأ توماس لأحفاده من دائرة معارف، حاذفاً التفاصيل العنصرية مثل ادعاء الموسوعة أنه برغم أن الأطفال السود كانوا أذكياء "طمس هذا الذكاء من سن البلوغ، جالباً/ انعدام الهدف والكسل". وفي "قصور فرساي العظيمة، تؤدي قراءة رواية أحد كتب المكتبة عن كيف كانت النساء الفرنسيات يتغوّطن في حدائق فرساي الجميلة إلى تعميق ازدراء بيولا للناس البيض بينما كانت تقوم بكي ملابس لزبائن بيض: ليس هناك أسوأ من شخص أبيض// تهمهم في غرفة قياس الملابس// بمحل شارلوت. وتتناول مجموعة "في الباص مع روزا باركس" التي أثنى عليها النقاد، بتوسع كبير شخصيات وأحداثاً لها علاقة بحركة الحقوق المدنية، وبصفة خاصة مقاطعة ركوب الباص في1955 ـ 1956 في مونتجمري، ولاية ألاباما
.

.

مجموعتها الشعرية الأولي (البيت الأصفر عند الزاوية) صدرت عام 1980 وتضمّنت موشوراً عريضاً من الموضوعات اللائقة بمشروع شعري متأهّب متوثّب: قصائد غزل، حكايات رومانسية، ترحال في الزمان والمكان، سياقات حُلُمية، وشذرات أخّاذة في امتداح تفاصيل الحياة في كنف أسود. مجموعتها الثانية صدرت بعنوان (معرض) (1983)، ولم تبدّل دوف موضوعات هذا الموشور العريض ولكنها (صبّرتها)، إذا صحّ القول، في (معرض لمحتويات الذاكرة وغبار الحرب والترحال بين الشرط والتاريخ). ثمة أسماك في الحجر، ونمل صاعد إلي سماء كورنثيا، وصبيّة اسكندرانية توبّخ الإمبراطور الروماني، وزوجة صينية تعلّم زوجها فنون الحياة، وثمة غنائية رهيفة لصيقة بالقصيدة أنّي ذهب موضوعها. وتخفيض صوت هذه الغنائية، ثم أخذه جهة الملحمة، سوف يكونان أبرز مشاغل ريتا دوف وهي تكتب قصائد مجموعتها الثالثة توماس وبيولا التي يعتبرها الكثيرون أهمّ أعمالها. وتوماس هو جدّ ريتا دوف، وبَيولا هي جدّتها، والقصائد تروي حكايتهما مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ مطلع القرن، في حلقات شعرية ـ حكائية، مترادفة ومتشابكة وبانورامية، تُروي في قسمَيْن: على لسان الجدّ أوّلاً، ثم الحكايات ذاتها من منظور الجدّة.

وقد أصدرت دوف بعد ذلك الأعمال التالية: (الأحد الخامس) (1985) وهي مجموعة قصص قصيرة، (هوامش الحُسْن) (1989) مجموعتها الشعرية الرابعة، (عبر البوّابة العاجية) (1992) وهي روايتها الأولي، بالإضافة إلي مسرحية بعنوان وجه الأرض اكثر سوادا 1995
دارت معركة كبيرة بين الناقدة  هيلين فندلر وبين ريتا دوف بسبب انطولوجيا الشعر الذي اصدرته ريتا دوف عن دار بينغوين , وحملت  فندلر علي دوف كون الأنطولوجيا معبرة عن التنوع الثقافي وعن الأقليات العرقية واللونية قالت فندلر: ان من بين عشرين  شاعرا ولدوا في الفترة الواقعة بين 1954 و1971، هناك خمسة عشر شاعرا من الأقليات من الهسبانيين ذوي الاصول اللاتينية أو الاميركيين السود أو الهنود الحمر أو ذوي الأصول الآسيوية وخمسة شعراء فقط من البيض شاعران وثلاث شاعرات.
 وقالت فندلر ان صاحبة الانطولوجيا دوف بتغييرها التوازن معيارا جماليا شعوبيا تعبر عنه في التقديم". وان دوف تشعر ملزمة بالدفاع عن الشعراء السود الذين ضمتهم الى المختارات بتفخيم لغوي.
وردت دوف متهمة فندلر بالعنصرية والاستعلاء ومجافاة الحقيقة في نعت الانطولوجيا بأنها تضم في الغالب شعراء ذوي مفردات محدودة. وكتبت دوف في نيويورك ريفيو اوف بوكس انها لن تسمح لفندلر ببناء بيتها من الورق على أباطيل واراجيف
. وان "ما في مراجعة هيلين فندلر من قسوة ومرارة يشي بأجندة تتعدى الجماليات. وهي نتيجة لذلك لا تفقد استيعابها للحقائق بل تفقد لغتها التي كانت في السابق موضع اعجاب..... بتأرجحها من المثل الى المثل المضاد مخطئةً المرة تلو الأخرى في قراءة الغاية. وسواء أكانت مدفوعة بغضب اكاديمي أو الأسى الجامح لدى شخص يشعر ان العالم غدر به، ظنت فندلر انها تعرف ـ كم هو حزين ان نشهد ذكاء متألقا يتهاوى بمثل هذا الأداء الأخرق".
قالت دوف ان انتقادها بسبب عدد الشعراء ذوي الأصول العرقية المختلفة الذين ضمتهم في الانطولوجيا يشير الى ان الولايات المتحدة ليست مجتمعا تخطى العنصرية وانه "حتى من يُسمَّون ليبراليين اذكياء حساسيين يصفون انفسهم بالانسانية كثيرا ما يكونون اسرى مفاهيمهم المسبقة في الطبقة والعرق والامتياز".
وخرجت المعركة الأدبية عن دائرة السجال الثنائي بين دوف وفندلر بدخول شعراء وكتاب اميركيين على الخط بين مؤيد ومعارض. وقالت مجلة كرونكل اوف هاير ايدوكيشن ان الأوساط الشعرية الاميركية لم تعرف معركة أدبية كهذه منذ عام
2004
 وقد  تسلمت دوف ميدالية الفنون من الرئيس الأمريكي باراك اوباما في العاصمة واشنطن فيما يسمي القاعة الشرقية بالمبني الرئاسي لما قدمته من اسهامات هامة في الشعر الأمريكي.

كتبت:أماني خليل
الترجمة:
 قصيدة بقدونس ترجمة: جاكلين سلام
سوريا/كندا
علمنا أن نعد ايامنا:صبحي حديدي
قميصه: موقع كتب
بوليرو:فوزي محيدلي المستقبل اللبنانية
نشر بأخبار الأدب المصرية هناالشاعرة ريتا



الثلاثاء، فبراير 09، 2016

مسار الأزرق الحزين



مسار الأزرق الحزين
.............................

مسار الأزرق الحزين هو الكتاب الصادرحديثاً عن دار الكرمة , والذي يحكي الكاتب الكبير علاء خالد فيه عن تجربته الإنسانية في التعافي من آثار خطأ طبي  كاد يودي بحياته, وذلك اثناء خضوعه لعملية جراحية, الحكي عن تجربة علاء الإنسانية له طابع إنساني وفلسفي . تتقاطع علاقته بزوجته الفنانة سلوى رشاد, وعلاقته بأصدقائه, وطاقم العمل بالمستشفي, علاقته بالطبيب الذي كاد أن يودي بحياته, تلك العلاقة المُلتبسة التي شبهها بالعلاقة بين القتيل والقاتل, وما طرأ عليها من تقلبات مُربكة, بداية من الإحساس بالذنب نحو مريضه حتى التجاهل والانكار, يحكي علاقته أيضاً بالمرضي من حوله الذين يصارعون من اجل البقاء مجتمع كامل ,وحياة جديدة يسبر أغوارها جّدة لا تعني الأفضلية لكن تعني التغير.ومن خلال التجربة يعيد اكتشاف معني الحياة والموت والبعث, الرحيل والفقد, العلاقة بالجسد والموجودات والكون.تتقاطع علاقاته مع رأيه وأفكاره وفلسقته وتغيراته النفسية التي فرضتها الحياة عموماً عليه وفرضتها  تجربة الاقتراب من الموت خصوصاً..

"مسار الأزرق الحزين" وهو العنوان الذي إختاره علاء لكتابه يفسره داخل دفتي الكتاب  يقول خالد:" أن قراءات النبض المتذبذبة  باستمرار صعوداً وهبوطاً , تشكل لي أهمية وتتحكم بشكل عام في لون نفسيتي أغلب الوقت كانت تحصره في الزرق الداكن المائل للبنفسجي بتراثه الحزين".
يقول أيضاً عن دلالة اللون عنوان الكتاب"وخزة الإبرة كانت تخلف ازرقاقاً في الجلد, ظل معي لفترة بعد خروجي من المستشفى, بالإضافة للإزرقاق الذي سببته "الكانيولا" في رقبتي و"كانيولا" المحاليل في سطح يدي اليمنى وباطن ذراعي اليسرى هذه العلامات شكلت مساراً للأزرق المائل للبنفسجي بتراثه الحزين".
 في أي مستشفى الموت حدث عادي . لا يشعر به العاملون  في المشافي, فبين صراع المرى بين الحياة والموت عجائز يستعدون لإعطاء ظهورهم للحياة للمرة الخيرة وبين اللذين يكافحون الغيبوبة لأسباب مختلفة يناقش العاملون بالمستشفي خلافاتهم التافهة وغلاء الأسعار, وتقسيم النوبتجيات,  بينما الموت يحصد الأرواح  بمنجله في الجوار, يقول خالد"لا يشعرون به كالجلد الميت. كلنا كان لنا نصيب من هذه الفطيرة التي يخبزها الموت طازجة كل يوم, كل ساعة.كل دقيقة,كل ثانية, للمستشفيات راحة خبز طازج"
العلاقة بالموت ومواجهته أيضا  تعيد اكتشاف وتنظيم العلاقة بـ"ألله" كخالق ورب للموت, الثنائية التي تتأرجح داخلها الخلق والعدم, الحياة والفناء. فبسبب خطأ بشري آخر, واجه خالد الموت سابقاً في حادث حريق في أحد القرى التي كان يقيم بها في المانيا من اجل الكتابة ,اندلع حريق خطير كاد يودي بيده اليمني التي يكتب بها, اليد اليمنى أداة الخلق لدى أي كاتب كاد وحش الموت أن يلتهمها, صار في مواجهة الموت والعدم لمرة ثانية, الاقتراب من الموت أتاح له اعادة صياغة العلاقة مع القدر/ الإله. الإله بتصرفه المنفرد في أقدار البشر. فيقول "كنت أشعر أني اعيد صياغة علاقة جديدة عادلة مع قدري بدون ان اتعالى عليه, بل امنحه مكانه الرفيع ولا أبخسه قدره ودوره وغموضه"هذه الفواجع  التي كنت امر بها كانت تجهز الميزان لاتزان جديد انتهى عهد الصراع وتخلصت من هذا الإله الذي كنت أريد ان ادمره بكل أقداره المُعانِده, وبدات انظر لإله أبعد بكثير, يحتاج صفاء سريره كي أفهم كنهه,ودوره في حياتي".
علاقة خالد بزوجته  تشكل جزءا هامًا من  الحكي فالزوجة هي الحبيبة وهي الابنة وهي شريكة الحياةو الرحلة, والراعية في وقت المرض, التي يخاف من الموت فقط لأنه هو الذي سيُسلبها إياه, التي يفكر طول الوقت في شكل وداعهما الأخير يقول" كنت أخشى ان اترك سلوى وحيدة. حياتنا معاً  أخذت تفريعات  عميقة في الروح, كأنه زلزال صنع صدفة جغرافية سعيدة لروحين,  لصخرتين عالقتين  في الأعالي . غيابي عن الحياة كان سيعرض هذه الطبيعة وهذه الصدفة الجغرافية للخطر ولتصدعات جديدة قد لا تجد الصدفة الجديدة التي تحفظها". يمنح علاء زوجته كل يوم اعترافاً في المستشفى, ويقول انه ربما الرحيل دون وداع هو ما يليق بالخروج  من الباب الكبير للحياة لان  حياتهما معاً هي السلام الحقيقي, الزوجة عاشقة تارة تتلمس اصابع حبيبها في المشفى حين تخف الزيارات وهي المقاتلة التي تتصدى للطبيب المهمل وتكشف ضعفه وهي العقل الحامي التي ترفض مقاضاة الطبيب لأن حياة زوجها مازلت معلقة في مرحلة الخطر رغم نصح الأصدقاء.

العلاقة بالطبيب من اجمل فصول الكتاب, فالطبيب الذي  تسبب في الخطأ الفادح يتهرب سريعا من الإحساس بالذنب وينفضه عن كتفيه في انتصار لذاته المُهانة بعار الخطأ. يعترف الطبيب لمريضه ثاني يوم العملية بأنه تسبب بخطا طبي كبير  وأنه سوف يصلحه مهما كان الثمن, يقدم الطبيب الرعاية لمريضه, لكن الخوف يكبله
تلاحظ الزوجة بحصافة الانثى وحدسها شيئا ما يزعجها فحين تناول الطبيب أتعاب العمليه ظهرذلك الضعف البشري الكامن في عينه , يعترف الطبيب بخطأه, ويقول لمريضه أنه لم ينام لمدة ثلاثة أيام, وبدأ خالد يتعاطف مع طبيبه وخوفه الأصيل من الفشل, الذي كان يتابع مريضه بكل دقة يقول خالد" كان يفرق  تردده ووساوسه على الممرضات, بعيد الشيئ والخطوة والكلام عدة مرات يريد أن يتأكد او يؤكد له أحدهم أو إحداهن , أثناء تكرارومد زمن الكلام, صحة وصواب خطوته, مهما كان بسيطة" يتعافي المريض وبعد أسبوعين من التردد على العيادة يقطع الطبيب اتصاله المعتاد للإطمئنان على  مريضه نهائياً وحين يزوره خالد بعدها لأمر طارئ يتوتر  غير راغب في من يذكره بما حدث, وكأنه "استهلك الإحساس بالذنب حتي لم يعد يؤتي أثره لوقت طويل" .
 التجربة القاسية التي مر بها علاء خالد وقذفت به علي تخوم الموت, استحضرت  في الحكي عنه , عوالم السينما المبهرة ,الكتاب ملئ بالحكايات والمشاهد السينمائية التي يتقاطع فيها الموت مع الحياة, الحياة هي "مجموعة من التجارب العنقودية كما يراها لا تتقاطع ولا يعرف بعضها البعض, لكنها  تجتمع  عند الموت  مثل شريط السينما الذي تجتمع فيه متعة الفرجة مع كونك اصبحت أحد أبطال هذا الفيلم تنفصل عن نفسك مثل قشرة برتقالة سميكة رويداً رويداً حتي تظلم السينما تماماً"
الموت يأتي في السينما  كما يرى علاء علي هيئة امرأة جميلة ويرتبط بلذه الجنس كما في فيلم "كل هذا الجاز "لبوب فوس, وعلي هيئة طفل صغير كما في فيلم حدوتة مصرية ليوسف شاهين في فيلم الختم السابع لإنجمار برجمان يأتي الموت بشحمه ولحمه للبطل صريحا واضحاً حين يعود من الحرب ليجد بلاده تحت وطأة انتشار الطاعون
 في المشفي  تختفي الاعضاء كأدوات حسية, بل تصبح مشيئة, قطع من اللحم والعضل للحقن والوخز والثقب والخياطة, اما الطبيب او الممرضة فتنشأ بينه وبين المريض علاقة حميمة احيانا يتداخل فيها الحب الأمومي بالرغبة بشرف المهنة , وفي عودة الي السينما يشرح خالد هذه العلاقة المعقدة قائلا""جولييت بينوش" الممرضة الكندية وبطلة فيلم"المريض الإنجليزي" كانت تمرض وتداوي ألم ويأس هذا المريض الميئوس من شفائه, بعد أن انتقل جسده من الصحراء وشجرة حكمتها الطبية, إلى سرير في دير ايطالي قديم,أواخر الحرب العالمية الثانية,شرف المهنة جعله ترى بعين جديدة,لا بد من الإستمرار, هناك نسبة امل لا تتعدى الواحد في المائة داخل هذا الواحد في المائة , أو هذا الحيز الضيق من الأمل,كانت تتحرك رغبتها, لتمنح هذا المريض وجسمه المشوه بالحروق, بعضاً من جسدها وروحها, هذا الشرف يتحول مع الوقت إلى حاسة جديدة تجعلها ترى الأشياء من حولها بعين جديدة مزيجاً من الرحمة والقسوة والأمل اللانهائي ,وأيضا اليأس اللانهائي".
 ليست السينما فقط التي تتقاطع في الحكي عن تجربة الاقتراب من المرض في "مسار الأزرق الحزين" لكن الأدب أيضاً, حين يتحدث خالد عن فترة اقامته في ألمانيا بعد الثورة مباشرة لشهور عدة, يصف علاقته بالخارج / الغرب,بأنها علاقة تشبه علاقة الفراشة بالنار, أو علاقة يشوبها الانبهار والكراهية الناتجة عن تفوق الآخر في نفس الوقت,  ذلك التمازج بين المشاعر المتضادة لم يصب علاء فقط لكنه أصاب مصطفي سعيد في موسم الهجرة للشمال للطيب الصالح, وأصابت بطل يحيي حقي في قنديل أم هاشم, وبطل سهيل إدريس في"الحي اللاتيني" يصف خالد ابطال الروايات السابقة بالثورية, وكأن حياته تتشابه مع حياتهم ,كانت ثورتهم علي مجتمعاتهم تشبه خروج للغرب بعد الثورة في ثورة موازية على الذات وعلي الوضع السياسي في مصر2011.
عن الحياة بعد النجاة لا يعتبر خالد هذه السنوات الجديدة منحة إلهية تستحق الفرح, ولا حتي تشبه الميلاد الجديد, لأن الميلاد الأول لا تختلط فيه معاني الرحيل والموت, بعكس الميلاد الثاني او (النجاة) بل يصف خالد هذه السنوات بفضلة القماش الملحومة في العمر, وان ادراك تلك الهبة ربما يحتاج لسنوات اخري لم تاتي بعد.. يقول خالد:"أفكر ماذا أفعل بسنواتي الجديدة المنزوعة من فم الأسد, هل هي منزوعة بحق,أم أن الأسد وجدها نيئة ولا تصلح للإلتهام,؟ دائما ما كنت أعمل حساب هذه السنوات المتبقية في قاع العمر, كتفل الشاي المر المخلوط بالسكر, الذي  لم يذب وكيف سيكون أدائي وقتها, كنت اتخيلها امتدادا طبيعياً وإن كان مختلفاً وتيرة اخرى كلحظة تصاعد مفاجئة في سيمفونية, لم أتخيلها ابدا كفضلة قماش ملحومة بالعمر بعد ان كادت تنفصل عنه وتصبح هذه الفضلة والخيوط التي تتخللها, جزءاً من طريقة إحساسي بالحياة لا أنتمي لها كلية ولا يربطني بها سوى ثغرات وخياطات واضحة!
  مسار الأزرق الحزين كتابة شعرية عن تجربة إنسانية شديدة القسوة والإلتباس ,تضرب الثوابت في المشاعر ولأفكار وتهز الوجدان هزا وتخلق رؤية جديدة للذات وللعالم , دون الإغراق في الترايجيديا ولا السقوط في فخ  الدفع الى التمسك بتلابيب الحياة. ليس الهدف من السرد بث الأمل في  نفس القارئ, ولا الإشارة الصريحة ولا الخفية إلى قيمة الحياة, ولا الربت علي احزان القارئ, بل تبدو الحياة كلعبة سحرية عبثية  داخل دفتي الكتاب, كلعبة الإفعوانية في مدينة ملاهي كبيرة,  تحدث تلك التجربة ليعيد القارئ النظر الي الحياة من عدة زوايا ومناظير مختلفة,يخرج من التجربة (اللعبة) ليس كما دخلها في المرة الأولى أبداً
نشر في أخبار الأدب
http://www.dar.akhbarelyom.com/issuse/detailze.asp?mag=a&akhbarelyom&field=news&id=11275