الثلاثاء، فبراير 09، 2016



مسار الأزرق الحزين
.............................

مسار الأزرق الحزين هو الكتاب الصادرحديثاً عن دار الكرمة , والذي يحكي الكاتب الكبير علاء خالد فيه عن تجربته الإنسانية في التعافي من آثار خطأ طبي  كاد يودي بحياته, وذلك اثناء خضوعه لعملية جراحية, الحكي عن تجربة علاء الإنسانية له طابع إنساني وفلسفي . تتقاطع علاقته بزوجته الفنانة سلوى رشاد, وعلاقته بأصدقائه, وطاقم العمل بالمستشفي, علاقته بالطبيب الذي كاد أن يودي بحياته, تلك العلاقة المُلتبسة التي شبهها بالعلاقة بين القتيل والقاتل, وما طرأ عليها من تقلبات مُربكة, بداية من الإحساس بالذنب نحو مريضه حتى التجاهل والانكار, يحكي علاقته أيضاً بالمرضي من حوله الذين يصارعون من اجل البقاء مجتمع كامل ,وحياة جديدة يسبر أغوارها جّدة لا تعني الأفضلية لكن تعني التغير.ومن خلال التجربة يعيد اكتشاف معني الحياة والموت والبعث, الرحيل والفقد, العلاقة بالجسد والموجودات والكون.تتقاطع علاقاته مع رأيه وأفكاره وفلسقته وتغيراته النفسية التي فرضتها الحياة عموماً عليه وفرضتها  تجربة الاقتراب من الموت خصوصاً..

"مسار الأزرق الحزين" وهو العنوان الذي إختاره علاء لكتابه يفسره داخل دفتي الكتاب  يقول خالد:" أن قراءات النبض المتذبذبة  باستمرار صعوداً وهبوطاً , تشكل لي أهمية وتتحكم بشكل عام في لون نفسيتي أغلب الوقت كانت تحصره في الزرق الداكن المائل للبنفسجي بتراثه الحزين".
يقول أيضاً عن دلالة اللون عنوان الكتاب"وخزة الإبرة كانت تخلف ازرقاقاً في الجلد, ظل معي لفترة بعد خروجي من المستشفى, بالإضافة للإزرقاق الذي سببته "الكانيولا" في رقبتي و"كانيولا" المحاليل في سطح يدي اليمنى وباطن ذراعي اليسرى هذه العلامات شكلت مساراً للأزرق المائل للبنفسجي بتراثه الحزين".
 في أي مستشفى الموت حدث عادي . لا يشعر به العاملون  في المشافي, فبين صراع المرى بين الحياة والموت عجائز يستعدون لإعطاء ظهورهم للحياة للمرة الخيرة وبين اللذين يكافحون الغيبوبة لأسباب مختلفة يناقش العاملون بالمستشفي خلافاتهم التافهة وغلاء الأسعار, وتقسيم النوبتجيات,  بينما الموت يحصد الأرواح  بمنجله في الجوار, يقول خالد"لا يشعرون به كالجلد الميت. كلنا كان لنا نصيب من هذه الفطيرة التي يخبزها الموت طازجة كل يوم, كل ساعة.كل دقيقة,كل ثانية, للمستشفيات راحة خبز طازج"
العلاقة بالموت ومواجهته أيضا  تعيد اكتشاف وتنظيم العلاقة بـ"ألله" كخالق ورب للموت, الثنائية التي تتأرجح داخلها الخلق والعدم, الحياة والفناء. فبسبب خطأ بشري آخر, واجه خالد الموت سابقاً في حادث حريق في أحد القرى التي كان يقيم بها في المانيا من اجل الكتابة ,اندلع حريق خطير كاد يودي بيده اليمني التي يكتب بها, اليد اليمنى أداة الخلق لدى أي كاتب كاد وحش الموت أن يلتهمها, صار في مواجهة الموت والعدم لمرة ثانية, الاقتراب من الموت أتاح له اعادة صياغة العلاقة مع القدر/ الإله. الإله بتصرفه المنفرد في أقدار البشر. فيقول "كنت أشعر أني اعيد صياغة علاقة جديدة عادلة مع قدري بدون ان اتعالى عليه, بل امنحه مكانه الرفيع ولا أبخسه قدره ودوره وغموضه"هذه الفواجع  التي كنت امر بها كانت تجهز الميزان لاتزان جديد انتهى عهد الصراع وتخلصت من هذا الإله الذي كنت أريد ان ادمره بكل أقداره المُعانِده, وبدات انظر لإله أبعد بكثير, يحتاج صفاء سريره كي أفهم كنهه,ودوره في حياتي".
علاقة خالد بزوجته  تشكل جزءا هامًا من  الحكي فالزوجة هي الحبيبة وهي الابنة وهي شريكة الحياةو الرحلة, والراعية في وقت المرض, التي يخاف من الموت فقط لأنه هو الذي سيُسلبها إياه, التي يفكر طول الوقت في شكل وداعهما الأخير يقول" كنت أخشى ان اترك سلوى وحيدة. حياتنا معاً  أخذت تفريعات  عميقة في الروح, كأنه زلزال صنع صدفة جغرافية سعيدة لروحين,  لصخرتين عالقتين  في الأعالي . غيابي عن الحياة كان سيعرض هذه الطبيعة وهذه الصدفة الجغرافية للخطر ولتصدعات جديدة قد لا تجد الصدفة الجديدة التي تحفظها". يمنح علاء زوجته كل يوم اعترافاً في المستشفى, ويقول انه ربما الرحيل دون وداع هو ما يليق بالخروج  من الباب الكبير للحياة لان  حياتهما معاً هي السلام الحقيقي, الزوجة عاشقة تارة تتلمس اصابع حبيبها في المشفى حين تخف الزيارات وهي المقاتلة التي تتصدى للطبيب المهمل وتكشف ضعفه وهي العقل الحامي التي ترفض مقاضاة الطبيب لأن حياة زوجها مازلت معلقة في مرحلة الخطر رغم نصح الأصدقاء.

العلاقة بالطبيب من اجمل فصول الكتاب, فالطبيب الذي  تسبب في الخطأ الفادح يتهرب سريعا من الإحساس بالذنب وينفضه عن كتفيه في انتصار لذاته المُهانة بعار الخطأ. يعترف الطبيب لمريضه ثاني يوم العملية بأنه تسبب بخطا طبي كبير  وأنه سوف يصلحه مهما كان الثمن, يقدم الطبيب الرعاية لمريضه, لكن الخوف يكبله
تلاحظ الزوجة بحصافة الانثى وحدسها شيئا ما يزعجها فحين تناول الطبيب أتعاب العمليه ظهرذلك الضعف البشري الكامن في عينه , يعترف الطبيب بخطأه, ويقول لمريضه أنه لم ينام لمدة ثلاثة أيام, وبدأ خالد يتعاطف مع طبيبه وخوفه الأصيل من الفشل, الذي كان يتابع مريضه بكل دقة يقول خالد" كان يفرق  تردده ووساوسه على الممرضات, بعيد الشيئ والخطوة والكلام عدة مرات يريد أن يتأكد او يؤكد له أحدهم أو إحداهن , أثناء تكرارومد زمن الكلام, صحة وصواب خطوته, مهما كان بسيطة" يتعافي المريض وبعد أسبوعين من التردد على العيادة يقطع الطبيب اتصاله المعتاد للإطمئنان على  مريضه نهائياً وحين يزوره خالد بعدها لأمر طارئ يتوتر  غير راغب في من يذكره بما حدث, وكأنه "استهلك الإحساس بالذنب حتي لم يعد يؤتي أثره لوقت طويل" .
 التجربة القاسية التي مر بها علاء خالد وقذفت به علي تخوم الموت, استحضرت  في الحكي عنه , عوالم السينما المبهرة ,الكتاب ملئ بالحكايات والمشاهد السينمائية التي يتقاطع فيها الموت مع الحياة, الحياة هي "مجموعة من التجارب العنقودية كما يراها لا تتقاطع ولا يعرف بعضها البعض, لكنها  تجتمع  عند الموت  مثل شريط السينما الذي تجتمع فيه متعة الفرجة مع كونك اصبحت أحد أبطال هذا الفيلم تنفصل عن نفسك مثل قشرة برتقالة سميكة رويداً رويداً حتي تظلم السينما تماماً"
الموت يأتي في السينما  كما يرى علاء علي هيئة امرأة جميلة ويرتبط بلذه الجنس كما في فيلم "كل هذا الجاز "لبوب فوس, وعلي هيئة طفل صغير كما في فيلم حدوتة مصرية ليوسف شاهين في فيلم الختم السابع لإنجمار برجمان يأتي الموت بشحمه ولحمه للبطل صريحا واضحاً حين يعود من الحرب ليجد بلاده تحت وطأة انتشار الطاعون
 في المشفي  تختفي الاعضاء كأدوات حسية, بل تصبح مشيئة, قطع من اللحم والعضل للحقن والوخز والثقب والخياطة, اما الطبيب او الممرضة فتنشأ بينه وبين المريض علاقة حميمة احيانا يتداخل فيها الحب الأمومي بالرغبة بشرف المهنة , وفي عودة الي السينما يشرح خالد هذه العلاقة المعقدة قائلا""جولييت بينوش" الممرضة الكندية وبطلة فيلم"المريض الإنجليزي" كانت تمرض وتداوي ألم ويأس هذا المريض الميئوس من شفائه, بعد أن انتقل جسده من الصحراء وشجرة حكمتها الطبية, إلى سرير في دير ايطالي قديم,أواخر الحرب العالمية الثانية,شرف المهنة جعله ترى بعين جديدة,لا بد من الإستمرار, هناك نسبة امل لا تتعدى الواحد في المائة داخل هذا الواحد في المائة , أو هذا الحيز الضيق من الأمل,كانت تتحرك رغبتها, لتمنح هذا المريض وجسمه المشوه بالحروق, بعضاً من جسدها وروحها, هذا الشرف يتحول مع الوقت إلى حاسة جديدة تجعلها ترى الأشياء من حولها بعين جديدة مزيجاً من الرحمة والقسوة والأمل اللانهائي ,وأيضا اليأس اللانهائي".
 ليست السينما فقط التي تتقاطع في الحكي عن تجربة الاقتراب من المرض في "مسار الأزرق الحزين" لكن الأدب أيضاً, حين يتحدث خالد عن فترة اقامته في ألمانيا بعد الثورة مباشرة لشهور عدة, يصف علاقته بالخارج / الغرب,بأنها علاقة تشبه علاقة الفراشة بالنار, أو علاقة يشوبها الانبهار والكراهية الناتجة عن تفوق الآخر في نفس الوقت,  ذلك التمازج بين المشاعر المتضادة لم يصب علاء فقط لكنه أصاب مصطفي سعيد في موسم الهجرة للشمال للطيب الصالح, وأصابت بطل يحيي حقي في قنديل أم هاشم, وبطل سهيل إدريس في"الحي اللاتيني" يصف خالد ابطال الروايات السابقة بالثورية, وكأن حياته تتشابه مع حياتهم ,كانت ثورتهم علي مجتمعاتهم تشبه خروج للغرب بعد الثورة في ثورة موازية على الذات وعلي الوضع السياسي في مصر2011.
عن الحياة بعد النجاة لا يعتبر خالد هذه السنوات الجديدة منحة إلهية تستحق الفرح, ولا حتي تشبه الميلاد الجديد, لأن الميلاد الأول لا تختلط فيه معاني الرحيل والموت, بعكس الميلاد الثاني او (النجاة) بل يصف خالد هذه السنوات بفضلة القماش الملحومة في العمر, وان ادراك تلك الهبة ربما يحتاج لسنوات اخري لم تاتي بعد.. يقول خالد:"أفكر ماذا أفعل بسنواتي الجديدة المنزوعة من فم الأسد, هل هي منزوعة بحق,أم أن الأسد وجدها نيئة ولا تصلح للإلتهام,؟ دائما ما كنت أعمل حساب هذه السنوات المتبقية في قاع العمر, كتفل الشاي المر المخلوط بالسكر, الذي  لم يذب وكيف سيكون أدائي وقتها, كنت اتخيلها امتدادا طبيعياً وإن كان مختلفاً وتيرة اخرى كلحظة تصاعد مفاجئة في سيمفونية, لم أتخيلها ابدا كفضلة قماش ملحومة بالعمر بعد ان كادت تنفصل عنه وتصبح هذه الفضلة والخيوط التي تتخللها, جزءاً من طريقة إحساسي بالحياة لا أنتمي لها كلية ولا يربطني بها سوى ثغرات وخياطات واضحة!
  مسار الأزرق الحزين كتابة شعرية عن تجربة إنسانية شديدة القسوة والإلتباس ,تضرب الثوابت في المشاعر ولأفكار وتهز الوجدان هزا وتخلق رؤية جديدة للذات وللعالم , دون الإغراق في الترايجيديا ولا السقوط في فخ  الدفع الى التمسك بتلابيب الحياة. ليس الهدف من السرد بث الأمل في  نفس القارئ, ولا الإشارة الصريحة ولا الخفية إلى قيمة الحياة, ولا الربت علي احزان القارئ, بل تبدو الحياة كلعبة سحرية عبثية  داخل دفتي الكتاب, كلعبة الإفعوانية في مدينة ملاهي كبيرة,  تحدث تلك التجربة ليعيد القارئ النظر الي الحياة من عدة زوايا ومناظير مختلفة,يخرج من التجربة (اللعبة) ليس كما دخلها في المرة الأولى أبداً
نشر في أخبار الأدب
http://www.dar.akhbarelyom.com/issuse/detailze.asp?mag=a&akhbarelyom&field=news&id=11275


الجمعة، يناير 08، 2016

التنويه عن ديوان "تسقط من شرفة دهشتها "في الدورة الأولى لمسابقة أسامة الدناصوري

طيب لي اشكر القائمين على مسابقة الراحل الجميل أسامة الدناصوري، زوجته أ. سهير الحفناوي و أسرته وأصدقائه ودار ميريت أ. محمد هاشم، أ. عبد الحكم مدير تحرير الدار ولجنة التحكيم على اول مسابقة لقصيدة النثر في مصر
واشكر لجنة التحكيم الاساتذه(ايمان مرسال، ياسر عبد اللطيف، سليمان عبد الحكم ، احمد يماني، علاء خالد ومقرر اللجنة الناقد أ. محمد بدوي) .. علي مجهودهم في القراءه والتحكيم.. وتنويه اللجنة علي تميز ديواني" تسقط من شرفة دهشتها".. وابارك الصديقين الفايزين احمد عبد الرحيم ونهي البلك..
بيان اللجنة:هنا
  تغطية الاخبار اللبنانية: هنا
تغطية موقع المدن :هنا
تغطية موقع زحمة: هنا
 جزء من الديوان بموقع الكتابة :هنا
الصورة للصديقة ايمان السباعي والصديقة زيزي خير والسيدة سهير ارملة أسامة الدناصوري  معي يوم الحفل بدار ميريت

الاثنين، مارس 02، 2015

قرائتي في "الأفق "لباتريك موديانو.





في رواية "الأفق" لموديانو يدور القارئ في شوارع باريس وحوانيتها ومقاهيها وفنادقها, يشعر بالنكهة  الباريسية, و بزحامها,  ، بالجماهير المُندفعة خارج محطة المترو, تضيعه  وتبلعه , موديانو يقول  أن باريس التي يعرفها اختلفت تماما. فباريس الحرب العالمية ليست هي باريس الآن،رواية الأفق  سرد قاتم مضطرب عن الحنين للمكان والضياع الانساني الذي يبتلع البشر ،وقصص الحب والآمال والأحلام الكبري,. عبر بطليه  الشابين" بوسمان" و"مارجريت"  ، وهما في العشرينيات من عمرهما ،أما الزمان فهو  ممتد من الحرب العالمية الثانية عبر اربعين عاما لاحقة.
يلهث " بوسمان" في شوارع باريس  هربا من مطاردة إمرأة ذات شعر أحمر ورجل دين يطلبان منه المال, ومعه "مارجريت لوكلوز "_ المولودة في برلين عاصمة الموت والدمار في الحرب العالمية الثانية_ والمُطاَردة من شخص مخيف يدعى "بويافال"   كان لاعباً سابًقا في فريق التزحلق الفرنسي لكنه تعرض لحادث  هؤلاء الاشخاص المخيفون يمثلون القسوة والحرب والالم , تنشأ بين الشابين قصة حب يكتنفها الخوف والتوتر ويحكم عليها القدر بالاستحالة,  ويدور الشابان  في دوائر من القلق والفزع.
  هذا الخوف يغلف ايضا  علاقتهما, فحتي حين  تشكو "مارجريت" لجوبوسمان من مطاردات  "بويافال"لا تعطه اجابات قاطعة عن علاقتها به، فخمن أنها حجبت هذا الشخص  في ضباب  وأقامت بينها وبينه نوع من الزجاج الخشن  حتي تستطيع التخلص من مخاوفها..
 تنتقل مارجريت للعمل في عدة مهن وتسكن شقق وفنادق مختلفة , من مربية أطفال الي سكرتيرة  وموظفة في مكتبة،ثم تترك فرنسا الي سويسرا لتعمل مربية لأطفال السيد "باغريان "وتخشى من توقيفها علي الحدود لانتهاء صلاحية باسبورها, انتقلت عند عدة مخدومين السيد فيرن من اوتوي ثم السيد" بوتريل"و  بالتوازي يتعرف بوسمان علي السيد بوتريل الذي ألف كتابا بعنوان "نادي استارتي"عن أحد الظواهر الباريسية في العشرينات  جماعة تدعي "مريدي المرأة المقدسة" وهي جماعة مهتمة بالسحر الاسود والتنجيم والممارسات الجنسية.

  تهرب مارجريت الي برلين مرة اخري و تقول مارجريت لبوسمان  :"
إنهم يعلمون أشياء عني لم أخبرك بها "
و" إنهم حين يعتقلون أناسا مثلنا فانهم لا يطلقون سراحهم أبدا "
  يمر اربعون عاما ويتفرق" بوسمان" و"مارجريت"  يجمع "بوسمان" بعد هذه السنوات مُزق الذاكرة  ليصل الي حبيبته السابقة  من خلال الانترنت, حتي يعثر علي عنوانها لا يتصل بل ينطلق الي هناك, هل يجدها هي نفسها.. هكذا تنتهي الرواية ،  يكتب "موديانو"  يحمله الحنين والبحث عن الماضي الذي يطارد الحاضر في كل لحظة، الحاضر الذي   يظل رهينا للماضي واحلامه وانكساراته..
 يتميز اسلوب "باتريك موديانو" الحائز علي جائزة نوبل  بروح قاتمة سوداوية, وسرد محكم ينتقل فيه بين الازمنة بسهولة تظهر شخصياته في توقيت محدد لنعرف دورها في مسرح الاحداث  لاحقا, وصفت كتابته بانها كافكاوية  الطابع..

 
   باريس نقطة محورية في أدب موديانو ، باريس الستينات المثقلة باجواء الحرب والملاحقات الأمنيه, يقال أن والده كان  مطلوبا للسلطات في قضايا أمنية، ، وانه كان يقابله في المقاهي ومحطات القطارات والساحات التاريخية  وهي الأماكن التي تعج بها كتابات موديانو , والتي قد تشكل صعوبة علي قارئ غير باريسي علي تخيلها واستيعابها, باريس  المضطربة القلقة ، لاحقا قطع موديانو صلة بأبيه الذي بدوره اختفي بعدها.  وصف موديانو بمساح المدينة وبان كتاباته أفضل دليل للمدينة، المراة أيضا هاجسا في كتاباته ومحرك هام لها فهي المدينة المفقودة  التي تغيرت ملامحها الان وهي الحبيبة الضائعة لأبد.

* باتريك موديانو: هو كاتب فرنسي من أصول ايطالية ، له عدة روايات اولها"ميدان النجم"
فاز بنوبل للاداب 2014الأكاديمية السويدية قالت ان موديانو كُرّم بفضل فن الذاكرة الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصيانا على الفهم وكشف عالم الاحتلال.

*نوبل:
جائزة نوبل للأداب سنوياً من قبل الأكاديمية السويدية، لأي مؤلف من أية دولة على ان يكون لديه حسب قول ألفريد نوبل "إنتاج أكثر الأعمال روعة لنزعة مثالية وتعتبر البوابة الاوسع للمجد والانتشار

القراءة منشورة بجريدة المقال.

الجمعة، يوليو 18، 2014

علاء خالد.. كروح خفيفة تنتقل بهدوء من مكان إلى آخر



طالما اعتقدت ان للانسان نصيب من اسمه, من شكل حَاجَاته, أو ملابسه, أو موسيقاه المفضلة,   وكذلك من كتاباته ومن  عناوينها, من اختياراته الفنية.
في اي مكان في  الاسكندرية  يمكنك ان تصادف علاء يكتب  على أحد المقاهي , او  يرتشف الشاي مع مجموعه اصدقاء,في وسط البلد او المنشية او في ايليت  اي مقهي علي الكورنيش, أو يجلس  علي الرصيف  في" عز" الثورة مع زوجتة الرقيقة الرسامة التشكيلية التي بالكاد تسمع صوتها,    مع الجالسين علي الارض يشق صيامه, امام مقهي "شكري" في سيدي جابر قد يعطيك قطعة حلوي او كوب شاي بود بالغ,   ننتظر تعباوملل ربما يحل علي  احد الجالسين بالساعات  علي كراسي المقهي_في انتظار الحرية _ليفسح مكانا لنا لننال قسطا قليلا من الراحة
 يعترينا الاجهاد بسبب الجلوس  علي الارض او الوقوف الطويل, ثم يعزم عليك"علاء " بوجه بشوش  بالمقعد الخالي ليقف هو  بعيدا مع  احد الشعراء او الكتاب او صديق, يتبادل معه الحديث  تحت وطأة حميمية اللحظة وصدقها, يمكن ان ايضا ان تصادفه في افخم قاعات مكتبة الاسكندريةفي صحبة ثلة من شعراء العالم من المانيا وصربيا متحدثا عن  موضوع من المواضيع الكبري  كالهوية!.
 وفي نفس الوقت يمكن ان تجده حاضرا علي منصة احتفال مجموعة من الكتاب الصغار والمغمورين في احتفالهم  بانتهاء ورشة كتابة تعلموا فيهااصول صنعة الكتابة الادبية,  بتواضع جم!
 علاء روح خفيفة تنتقل بهدوء  كريشة طائر من مكان الي اخر كأسم روايته !
اعرف علاء كاشهر كتاب الاسكندرية , اعرفه كرئيس تحرير مجلة" امكنة"  ومن في الاسكندرية يحب الكتابة ولا يعرف "أمكنة"؟!
 انها الاصدار الادبي الاول في المدينة الذي يحتفي بالمكان وبحكايات البشر, كما تحتفي روايته , اعرفه كثائر هادئ, ربما لا تري الا الوداعة في وجهة حين يجلس علي الرصيف, لكن يمكن ان تميز بسهولة الغضب الهادر حين يحدثك عن هؤلاء المجرمون الذين يغتالون حقنا في رؤية كورنيش البحر عندما يبنون فنادقهم العالية,او يغتالون حقنا في الجمال  حين يهدمون تراثنا العريق!!
 وكأن مسلسل "الراية البيضاء" للعظيم اسامة انور عكاشة _وكأنه مسلسل سرمدي صالح لعشرات السنوات .حيث المدينة  ما زالت تئن امام القبح المستديم, واخيرا اكتشفت صلة صداقة عائلية قديمة لا تثبت الا طيب الاصل ودماثة الخلق
ككاتب وشاعر, ابحث واحب جدا وجود المراة في النص, حين يقول علاء:" بروح شابة تنظرين الى يدك المسنة بدهشة كأنها ليست لك وان هذه التجاعيد تخص امرأة اخرى، أفنت نور يديها في غسيل الملابس والصحون يد عمياء تتحسس طريقها الى التراب قبل العملية بقليل نزعت خاتمك وابتسمت كموظف يستريح بعد ان يسلم آخر عهدة له"  اشعر انني المعنية تماما بالنص, اشعر بجسدي علي طاولة العمليات اللي تمددت عليها  من عامين!
أو حين يقول" بغيابك نقصت حجرة من حجرات البيت, اصبح مائلا ناحية الموت كم سنة احتاج لاعدل الميزان, لابني حجرة اخري من الذكريات
 ليس المكان وحده الذي يحتفي به علاء خالد بل التفاصيل ايضا فلا يكف عن ادهاشك بكل تلك المُنمْنمَات الحَمِيمِية فيقول"
(العلبة الصدف،/ التي كانت تحوي العشرات من الأزرار الملونة،/ الآثار الحية لملابس تفرقت في دورة أخرى للاستهلاك/ حياتي أصبحت مثل أزرار هذه العلبة/ يمكن أن يُعاد استعمالها/ أو تُترك هكذا كخزانة لمجد العائلة/ أو تنسى/ كمومياء غير ملكية./ كلما فقدتُ زراراً من ملابسي/ كانت أمي تبحث في تلك العلبة/ لا يخيب الرجاء/ تملأ هذا السطر الفارغ/ وتترك خيطاً معلقاً في فمها/ هذا الطرف البعيد،/ الطرف الغالي الذي تسلقت عليه الطفولة" في الابحار في كتابة خالد لا يمكن ان تجد إلا روحا شغوفة بالحدوتة الصغيرة. المنمنة كقطعة حلوي تجمع الالم والجمال, ترسم المشهد بصبر بالغ مطعما باللقطات الصغيرة المُكملة يعرف علاء هذه الميزة جيدا فيفسر ذلك:" فى فترة من حياتى ركزت فيها على شحذ موهبتى فى التقاط الأشياء الدقيقة . لا أتذكر بالضبط كيف اكتشفت فى نفسى تلك الموهبة إلا بعد احترافى الكتابة ، بدأت تظهر لى القيمة التى تحتفظ بها تلك الأشياء ، وأتذكر كلام احدى السيدات . قرأت ديوانى الشعرى ، وقالت لى ما معناه أن الأشياء الدقيقة وملاحظتها تخص المرأة أكثر من الرجل . تعنى أن الحميمية التى تعطى لهذة الأشياء الحياة تنشأ غالباً من التصاق المرأة بعالمها الصغير ، جسدها ، غرفتها ، حتى تلك الأشياء التى تتزين بها تساهم فى تجزىء هذا العالم وإسباغ مزيد من الدقة عليه . أما الرجل فنظرته كلية إلى عالمه المحيط ، لأن مشكلته الأساسية هى كيف يثبت نفسه لا أن يتأملها هى والعالم المحيط بها . أعدت التفكير فى هذا الكلام وجدت به بعض الصحة ، وهو ارتباط الدقة والتفاصيل بمسحة أنثوية ، تبغى بث الحميمية فى العالم الصغير المحيط بن"ا
خالد  روح خفيفة في عالم الادب وفي الاسكندرية المدينة التي تصارع الانقراض والذوبان كل يوم,  روح تحتفي  بود  بكل ماهو حميمي وصادق وانساني روح خفيفة تنتقل بين جنبات المدينة ومقاهيها كانها ريشة طائر او نسمة عابرة او موجة صيف ناعمة.
 عن البحر يقول خالد"لقد بنت الإسكندرية أحلامي، أو كانت سبباً في تكوينها وشكلها وملمسها ورائحتها. سنوات لم أفارق فيها البحر كآخر صامت يتم تبادل حوارات مختلفة معه. لقد أمضيت سنوات كنت أجلس فيها على البحر، أقرأ كل شيء، شعرا، وروايات، وفلسفة. بين كل صفحة وأخرى تستوقفني عبارة، عندها أرد الجملة الجميلة أو الملغزة أو الصادمة أو الغامضة أو المركبة إلى البحر. أردها إلى صورتها الأولى، وهو سيقوم بالباقي، سيضعها في مكانها لتعود إلى من جديد وقد زال بعض غموضها، أو حدتها. البحر كتاب واسع أو قاموس كوني للمعاني.."
 المدينة هي لخالد  ككل السكندريين مصدر الهام فني  وانتماء وحميمة مثلما المرأة تماما"لكن الصورة النمطية عن شعراء وقصاصين  رواد  وعابرين علي شاطئ هذه المدينةدشنوا في محبتها وبين طرقاتها وازقتها ومقاهيها الحكايات تلو الحكايات وحاكوا انواع الفنون,لكن تلك الصورة ليست دائما "جل الحقيقة" يقول خالد" هذا البحر بعد أن ينحسر هيجانه عن البيت، كان يخلف وراءه ملوحة مقبضة، نستشعرها جميعا في حلوقنا" فالبحر  ايضا نبع غضب وفورة قسوة, لا يعرفها العابرون عليه بسرعة لكن يخبرها فقط الذين خبروه وعاشوا تقلباته بين الحنان والعطاء والقسوة والصَلف  مواسم تلو مواسم.

نشر هنا.

قراءة في رواية" ترانس كندا" لسماح صادق



تبدو "سماح صادق" عبر سطور روايتها, كرسامي البورتريهات الذين يقفون في ميادين المدن الـأوروبية القديمة وفي زوايا مراكزها التجارية, فبسرعة وخفة لا تخلو من حذَق وبراعة, تبدأ سماح روايتها الاولي ـ بعد تجاربها الشعرية السابقة ـ في رسم مجموعه من البورتريهات لشخوص روايتها وابطالها الرئيسيين, "نهي، ايمان، يوسف، هاني، حلا".
بعد ذلك تلج إلى صُلب روايتها تبدأ من طفولة ايمان البطلة الرئيسية, في إحدى المناطق الشعبية بين أم وأب علي خلافات شديدة,لا تفهم الصغيرة سبب تلك الخلافات لكنها تلهو علي سطوح بيت الأسرة, تلعب مع صديقة طفولتها لعبة" أم المُحمّدات" وهنا تروي سماح  مشاهد من طفولة عذبة وشجية مليئة بالبراءه والتفاصيل الحميمة، حيث تقوم إيمان وصديقة طفولتها, بلعب تمثيليات بسيطة تلعب الصغيرات تلك اللعبة في بلادنا لتسلية انفسهن, ثم تنتهي تلك المرحلة بموت مفاجئ للأم التي تحرق نفسها بالكيروسين كعادة النساء في المناطق الشعبية, لعنة المصريات, وطريقتهن للخلاص من قسوة الحياة، ويستدعي هذا المشهد الذي رسمته سماح بحرفية مشهد احتراق "سيمون" في فيلم"يوم حلو ويوم مر" الذي أخرجه القدير خيري بشارة.
تتوالي المحطات التي تنتقل اليها بطلة "ترانس كندا" من مدينة الي اخري ومن علاقة الي علاقة اخري, وبين الانتقال والانتقال الذي يليه تعتمد "صادق" تقنية الفلاش باك, بين الماضي والحاضر لتتوالى الأحداث بخفة وتماسك شديد، ولتحوذ علي انتباه القارئ بشدة, وتأسر مشاعره تماما مع شخوص الحكاية .
 في تلك العلاقات العابرة علي الروح والجسد تقول "صادق" انها حبة القمح التي تسد جوع الآخرين " وهي الجملة الختامية  التي اختارتها  كغلاف خلفي للرواية، وهو اختيار موفق يعبر عن هذا الجوع الانساني للآخر الذي لا يزيده إلا ألماً وشجناً.
بين يوسف ابن رجل الأعمال وحبها الأول والاخيرالذي تقابله او تسعي وراءه في كندا,ت قابل يوسف المغترب الهارب من مصر من جريمة قتل, الذي يسقط في براثن الادمان, ويحلم بالتطهر من جريمته,حتي بأن ينال نفس مصير ضحيته بالموت في حادث سيارة, وكأن "كارما" تطهرية  تضع حدا لحكايته ولحكايتهما معا.
ثم هاني المتزوج من ديان الاجنبية التي تشاركه البيت والـ"بيزنيس", في تلك العلاقة الثلاثية تتورط ايمان في علاقة جسدية مع هاني, بعلم ديان ورضاها إذ تستسلم كي لا تفقده, واحدة من اشد العلاقات تعقيدا, الثالوث الملعون الزوج والزوجه والعشيقة.
وبالتوازي مع تخلص "ايمان" بطله ترانس كندا من جنينها تسعي نهي البطلة الموازية لايمان المصرية المغتربة هي الاخري  للحمل صناعيا من زوج عنين ارتضت ان تكمل معه مشوار حياتها بعد نزوة قصيرة وعابرة,مرة ثانية تلعب صادق لعبة المد والجزر ولكن ليس بين الماضي والحاضر لكن بين تصاريف القدر الذي يمنع ويمنح!
تستقر "ايمان" بين يدي زوج غربي اشقر بارد العيون والمشاعر, تبقي معه بعض الوقت لتحصل علي اوراق قانونية, لا تري غضاضة ان تتركه بعد حصولها عليها, تقدم لها جسدها  مقابل الاوراق, وتشعر  بخسارة الصفقة علي روحها!
 لغة الرواية بسيطة وغير متقعرة , منسابة بهدوء مخيف, غير معنية بجماليات شعرية, او بتقديم رؤي فلسفية ولا اطروحات ايديولوجية علي لسان الابطال, انها لغة الوجع الانساني البسيط والمبهر في صدقه وعفويته, اما البناء السردي الذي اعتمد علي المراوحة والمراوغة بين الماضي والحاضر وعلي نظم المشاهد بين الماضي والحاضر وكأنها اوراق كوتشينة يحركها  لاعب بارع. يرغب دوما في القفز فوق الخسارات المتلاحقة  رافضا الاستسلام.
حلم "ايمان" النهائي هو بيت صغير في كندا، الاغنية التي شدت بها فيروز وصارت حلما  للمغتربين, بيت هادئ جميل هو ما ترغب "ايمان" في الحصول عليه في النهاية, بعد ان تستسلم وتعرف أنه لا أحداً قادر علي مداواة وجعها ولا حتي سد جوع الروح والجسد.
ترانس كندا هو مجموعة الطرق التي تربط المدن الكندية بعضها ببعض, هو مجموعه المحطات الانسانية والمكانية التي تمر بها البطلة وفي حين تبدو  محطة النهاية في آخر لنص مراوغة، تترك ذهن القارئ مشغولا باسئلة كثيرة حائرة، هل  البيت الاخير هو النهاية ام ان المحطات ما زالت  متتالية والرحلة ما زالت مستمرة؟.