الجمعة، أبريل 12، 2019

أشباح بيت هاينريش بل




عن تجربة السفرلألمانيا من خلال منحة أدبية حصل عليها الكاتب "علاء خالد" من مؤسسة هاينريش بُل الألمانية, مقر المنحة؛ في أحدى قرى ألمانيا "لانجنبوريخ " وفي البيت الذي وهبه كاتب نوبل للمضطهدين من الكتاب في كافة انحاء العالم ,وذلك إبّان  ثورة يناير. تدورأحداث كتابه الأخير"أشباح بيت هاينريش بُل" الصادرحديثاً عن دار الشروق.
يدور أيضاً عن مجموعة العلاقات الإنسانية والنقاشات والمشاعر والفلسفات التي جمعت الكاتب  "علاء خالد " بسكان البيت ورفاق المنحة مع اختلافهم واتفاقهم, وعن نظرتهم لذواتهم وللحياة,علاقاتهم بأوطانهم وبالثورات, نظرتهم  للديموقراطية والحريات, وضع الأقليات, ومساحة الدين في حياتهم,علاقاتهم الأسرية  لحظات الدفء والحِدّة, واللقاء الوداع .
 البيت الذي يعيش فيه رفاق المنحة طوال اربعة أشهر يتكون من طابق ارضي يضم مطبخ وصاله طعام ويمينها غرفة جلوس كبيرة  الطابق الثاني ينتهي بعليّة لها شباكين كبيرين يطلان على شجرة كبيرة, وهناك نُزل يضم يضم أربعة استديوهات وشقة صغيرة ,أشتراها هاينريش لتكون مقرا للإقامة الصيفية .ثم  أنشأ ورثته مؤسسة باسمه تدير البيت تتبع حزب الخضر الألماني. بيت هاينريش بُل في وسط صحراء بداخلها غابة تشبه رحماً يضم اربعة أجنة,  أو ديراً يضم أربعة رهبان لا وجود لأي روح انثوية, وهو ما لا يمكن تفسيره إلا بأن القرية نفسها قليلة النساء , والموجودات كبيرات السن!
 يقول خالد" كنا نعيش في هذا البيت  كأنه دير به أربعة رهبان من بلاد مختلفة, بدلا من ان يقوموا بالصلاة , استبدلوا بها الكتابة, كل واحد داخل قلايته, يتهّجد من اجل ان يمنحه الله فيئاً في نهاية اليوم, نخرج أحيانا من قلايتنا , نتبادل بعض الحديث , نشرب سجائر وكئوسا من دم المسيح, ثم نعود مرة أخرى إحساس ذكوري عارم يخيم على المكان, تذكرت الفيلم القديم الكوميدي,الذي يذهب فيه اربعة رجال إلى مكان ناءٍ ليبتعدوا عن النساء اللاتي سببن لهم كثيرا من المتاعب,كأنها عقيدة جديدة شعارها" فلتسقط الستات" ".

الشخصيات الرئيسية التي يدور عنها سرد الكتاب أصدقاء المنحة الأدبية هم:
زوفنكو الشاعر الصربي ذو الملامح الشرقية والشعر الفاحم بسبب جذوره التركية ,الذي  نعرف من  خلاله التقاطعات بين الثورة المصرية والثورة الصربية التي  ازاحت الشيوعيين ثم اعادتهم للحكم مرة ثانية. في سنة 1999قررت أوروبا الموحدة اقصاء الرئيس "سلوبودان ميلوسوفيتش" الذي كان من بقايا الهوى الشيوعي اليساري عن الحكم , أروبا الموحدة ذات الهوى  اليميني, تقرر للمرة الأولى قصف بلد أوروبي ,قررت اوروبا حينها السماح لأقليم البوسنة ذي الأغلبية المسلمة بالإنفصال عن صربيا, وقتها رفض الرئيس ميلوسوفيتش ذو العرق السلافي,وأجبر زوفنكو على التطوع في الجيش الصربي لمحاربة الناتو, كان قد تزوج منذ عشر سنوات وكان في بداية تثبيت قدمه في مجال الأدب.
يختلف زوفنكو مع علاء خالد فيقول الأخير" عندما يضبطني زوفنكو وانا اتحدث  عن الثورة في مصر بلهفة وعاطفية, يقول لي" ارجوك متكونش فرحان كده"."ولكن يا زوفنكو اعتبرني مثل جيرمان من هؤلاء الفارين من الثورة, جئت إلى هنا كي اكتب عن حلم شهور الثورة الأولى ",أجيب. يقصد أن الثورة عندما تأخذ مداها, وتتحول لحياة يومية, فإنهالا تتحرك على طريق الأحلام الواسع, الذي تخيلناه جميعاً. ولنا العذر ان تنفجر صرة الأحلام, الثورة تخلف خيبة أمل للجميع , ليس بسببها او بسبب مثالية الناس وإنما لن هناك مستوين من الأحلام لا يتقاطعان إلا نادراً. مستويان كانا شيئا واحدا أثناء الأيام  الاولى الثورة , اما بعدها فكل يأخذ طريقه. لا اعتقد ان ان هناك ثورة كاملة لا تخلف خيبة امل أي ثورة مهما كانت دمويتها او نقاؤها ,هي ثورة ناقصة لأنها تعيش على قوس قزح ولأن هناك ماضيا لا يمكن التغاضي عنه, يقتات على هذا الكائن الجديد"
_ألجريد هو الشخصية الثانية في بيت هاينريش بل وهوكاتب من بيلا روسيا يبدو  اكبر من سنه حيث فهو في منتصف الثلاثينيات.لكن  يعيش مأساة شعبه  الذي يقع تحت الاحتلال الروسي ويصر دوماً على تأكيد هويته وأزمته, كمواطن بيلا روسي, وعند سؤاله عن أي من الكتاب الروس ؛يصر على توضيح الفرق بينهم وبين الكتاب البيلاروسيين.
 يحكي ألجريد تلك الحكاية بسخرية موجهة للذات أكثر من كونها موجهة للأخرين
" يحكى عن احد الكتاب الروس عندما دعي إلى إحدى مهرجان شعري في إحدى دول أوروبا التي تتكلم الإنجليزية, ظل معزولاً لعدم معرفته باللغة وطوال الوقت ظل جالساً يغرفته بالفندق, وحيداً يضع يده على خده كما صوره ألجريد, وعندما قرر النزول لشراء حاجيات الطعام والفودكا من السوبر ماركت عاد فلم يجد ثلاجة في غرفته, ففعل كما يفعل الروس بأن وضع الطعام وزجاجة الفودكا على الإفريز خلف زجاج الشباك , فالجو قارس البرودة وكفيل  بأن يحل محل الثلاجة المهم في الصباح قام  ليبحث عن حاجياته  فلم يجدها لقد أخذتها الريح إلى أسفل , وقام كل الشعراء المشاركين في المهرجان بلملمة حاجيات الشاعر الروسي كأنها تمثل كرامته المبعثرة على الأرض بعد ان نال قسطاً وافرا من السخرية ."
 
جيرمان: وهو كاتب روسي من أم شيشانية اختار بوعي مطلق انتمائه للأمه الروسية ويعلن بوضوح تنصله من أي روابط تربطه بالشيشان , جيرمان له هيئة  تشير لاكتئابه الواضح وصراعاته النفسية, له جسد ضخم وانحناءه ملحوظة, كتب جيرمان كتابهالشهير" أنا شيشاني" والذي كرس فيه لاحتقاره وكراهيته للمسلمين الشيشان ذوي التوجهات الجهادية الأصولية, والذي يصفهم  بأنهم "هيبو قراط"وهو ما يضعه لاحقا في صراع مع ألجريد البيلا روسي المعتز بقوميته, وبقضيته الوطنية التحررية من الجسد الروسي الكبير.
 جيرمان عمل في المزارع الروسية كأجير في جمع روث الحيوانات, وحين دخل الجامعة لم يكن لديه ما يرتديه سوى سترة أبيه الأكبر حجماً منه.."انا شيشاني" كتاب عن انفصال الشيشان عن روسيا وارثة الاتحاد السوفييتي القديم وصراعها معها من اجل الانفصال.وفيه نقد للهوية الاسلامية في الشيشان مما جعله معرضا للموت في وطنه .
 هناك أيضا السيدة زيجرون مسئولة الورشة, ومتطوعتي الورشة السيدة زيليكا وانكا" وجارة البيت السيدة لودفيج وابنها ديتليف المتلصصين على سكان البيت بشكل متواصل.
 البشر والمكان ليسا محور فقط الكتاب ولكن النقاشات والخلافات والتأثير الروحي و الثقافي بين أربعة رجال ينتمون للكتلة الشرقية, يستعير علاء خالد كتاب" سخرية لا نهائية" لديفيد فوستر والاس من صديقه  زوفنكو تستوقفه النزعة التشاؤمية الحادة والصادقة والساخرة ضد الغرب الاستهلاكي في الكتاب فيتناقش فيه مع زوجته  الفنانة التشكيلية سلوى رشاد الحاضرة في الكتاب بقوة كصديقة وزوجة وشريكة فكرية, يتبادلان ترجمة مقاطع من الكتاب ويتناقشان حول ترجمة المقاطع الهامة بالكتاب عبر الاسكايب, يقول خالد أن كلمة "لا نهائية" الواردة في عنوان الكتاب تعطي قدرية لا راد لها. هذه الروح الأمريكية ابنة الإيمان بالروح والأرض للأباء المؤسسين لهذا البلد الجبار يجمع خالد قصاصات من هذا الكتاب ؛لمشروع سيتمه يوماً ما سيسميه رواية الروايات تحكي تطوره النفسي والروحي بين الكتب متعددة الجنسيات واللغات والأفكار ثم يورد مقطعاً خلاباً من كتاب" ديفيد فوستر والاس "
فيقول": "ان تعبد جسدك وجمالك وتوهجك الجنسي، فلسوف تشعر دائماً كم انت قميء، وعندما بمر الزمن والسنون بك وتنعكس على مظهرك، فلسوف تموت مليون ميتة، حتى قبل ان تموت وبحزن عليك الآخرون، كلنا واعون بتلك الأمور، على مستوى ما، فقد صارت تلك الحقيقة كشفرة داخل كل شيء، تماماً كالأسطورة، الامثال والحكم والكيشيهات، فهي العمود الفقري لأي قصة عظيمة، ربما يكمن السر في كيف تستبقي هذه الحقيقة لتكون في المقدمة وتعلي من شأنها اليومي، وإن عبدت القوة-فلسوف تشعر بالضعف والوهن والخوف، وستحاول ان تستعيض عن خوفك بممارسة القوة على الآخرين لتبقي على خوفك بعيدا عنك، وان عبدت فكرك لتجعل الآخرين يرونك كشخص ذكي-فلسوف ينتهي بك المطاف كغبي محتال، ولسوف تعيش على الحافة خوفاً من أن يكتشف أمرك".
تأخذ الصدامات الفكرية والثقافية بين ابناء بيت هاينريش بُل أيضاً حيزاُ من الكتاب هذا الاصطدام مبني على خلفية التناقضات التي عاشها الكتاب الأربعة في اوطانهم فجيرمان مثلاً رافض لخلفيته الشيشانية المصبوغة بالثقافة الإسلامية والمعتز بقوميته الروسية فهو ابن ثقافتين وهو ما يطلق عليه خالد كواطن"بيني" يلقي بثقله النفسي كله تجاه ثقافة محددة ليحسم هويته بينما لجريد معتز بقوميته متملل تحت وط ألجريد متملل من وضع موطنه تحت سيطرة الامبراطورية الروسية الكبرى المهيمنة ثقافيا وبتعداد سكانها البالغ تسعين مليونا بينما بيلا روسيا عشرة ملايين فقط.
يتناقش الكتاب الأربعة عن الجنس في الأدب بما يحمله فوق كاهله من موروث ثقافي واجتماعي, فبينما يتناول جيرمان الجنس بشاعرية مفرطة وبشكل غير مباشر يصف اللحظات السابقة واللاحقة على الجنس, احدى قصصه تصف لقاء بين فتى وفتاة أنهاها بقصيدة لبوشكين, جيرمان يرى نفسه سليل  ادب محافظ مؤرق بمشكلات اجتماعية وروحية وفلسفية . لا يجد غضاضة ان يوصف بأنه شرقي في كتابته بينما يتحدث زوفنكو بشكل صريح في ثلاثيته الروائية, زوجته تخشى ان يقرا والدها الرواية فينزعج ويتغير رأيه في زوج  ابنته, أما بناته فيقران ولا يعقبن. زوفنكوأيضاً سليل نفس تلك الثقافة التي اورثها الحكم الشمولي في الاتحاد السوفيتي وايضاً في يوغوسلافيا سابقاً.
الأشباح في كتاب خالدلا يقصد بها الكينونة الشبحية بدلالتها الثقافية كشئ مقبض ومخيف, لكنها ترمز للروح بمعناها النوراني , وكطيف  خفيف دال على العابرين  بالمكان والزمان.الأشباح تعبر وتقيم في بيت بُل هي الأشباح المليء بها الأدب الروسي.جيرمان يخبر علاء خالد بإحساسه بهذا الوجود الشبحي يقول خالد سائلًا جيرمان:" هل تشعر بروح هاينريش  بل في البيت.استغرب من سؤالي كانه شيء لا يريد أن يخوض فيه,ثم قال لي بوجه مهموم كانه يفضح عن سر تعفن داخله:أنا اتكلم معه كل يوم لم استغرب من كناية جيرمان التي تصل لحد الحقيقة لسابق علاقته الوثيقة بالأشباح التي امتلا بها الأدب الروسي منذ ديستوفسكي وأبطاله الممسوسين".
هذا الوجود الشبحي في بيت هاينريش بُل لا يشعر به علاء خالد وحده بل يكون محل نقاش جاد بينه وبين الكاتب الروسي جيرمان, يسأله خالد هل تشعر بالأشباح هي هي أشباح الماضي؟ أو أشباح الأفكار؟ يجيب جيرمان بل أشباح الحاضر!
"تعمدت كل صباح ان ازيح ستائر هذه الغرفة لتتسلل أشعة الشمس وتحمل على خيوطها الحارة إلى ظهري, حيث أجلس في غرفة المكتب نظرات ألجريد وتساؤلاته عن هذا الكائن القادم من مصر الذي يعتقد انها جزء من العالم الروحي الذي يجب أن يعيش ويقترب منه, ربما يملك إجابة على شقائه الروحي لم أصرح لجيرمان بملاحظاتي الخاصة حتى لا تتعمق فكرته, بل سرت مع فكرته لقد دخل صديق جديد لوحدتي, وإن كان من العالم الآخر تخيلتها اشباحاً ألمانية هي الأخرى تتعرف على هذا الصديق القادم من الشرق الذي لم تألف عاداته بعد"
"عندما تحدثت مع جيرمان حول هذه المطارادات  التي تقوم بها الأفكار في وحدتي كنت أستعيد روح حديث قديم لصديق, حول فكرة الأدب التي يلخصها احد الكتاب:ان وظيفة الأدب هي مطاردة الأشباح التي يحملها كل منا بداخله,الأشباح بالمعنى الحقيقي والمجازي ,لم اعرف انني ألمس وترا ً في الأدب الروسي  الروحي. الذي يحاول الخلاص لهذه الروح ليس فقط عن طريق السمو بل الإنصات ايضاً للأشباح ايضاً التي تقف في طريقها, الأدب الروسي ممسوس بروح شبحية , بشبح كالقرين وعلى وشك تجاوزها إلى ماهو أبعد من ذلك.."
"أصبحت لي ذاكرة كلبية تتشمم رداء الأروح في كل ما مر بي من صور واحاديث وتذكرت عندما كانت زوجتي تتحدث معي في الإسكايب كانت العدسة التي تراني  تكشف تلك المساحة  التي تظهر ورائي. عندما انظر لعينيها, كنت الحظ سر سرحانها أمام عدسة الإسكايب ويبدو انها هي الأخرى قد آثرت ان لا تزعجني بأمر  هذه الكائنات اللامرئية. فليس هناك مكان محدد يمكن ان تذهب إليه لتزورها, ربما في تلافيف الذاكرة والعقل البشريين".
يرحل زوفنكو ويحل محله كاتب اخر من الصين "يي كاي" الذي يسكن البيت ممثلاُ لثقافة بلد عريق بكل تاريخه القديم والحديث وتقاليده وصراعاته السياسية وموروثه الثقافي, وتعداد سكان يتجاوز المليار نسمة, ألجريد ايضا على وشك الرحيل,  سكان قدامي يستقبلون جدد والجدد يودعون القدامى العائدين لبيوتهم وأوطانهم.
البيت وصاحبه يضجان بالحكايات  التي تحدث يوما بعد يوما, سكانا إثر سكان.
يقول خالد:" بالإضافة لحكاية صاحب البيت اديب نوبل هاينريش بل, وروحه التي اشعر بها تتجول ليلاً لترعى هذه الصحبة الأدبية وتطمئن عليها وربما تراجع اعمالها المكتوبة والمنثورة في اللاب توب أو في قصاصات صغيرة, او في اجندات وتستلهم منها في مرقدها الأخير, مادة خصبة لروايات جديدة. "
رحل الجريد تاركاً بعض الهدايا والطعام لصديقه علاء خالد, يرحل كل ضيف ليترك تذكارا بسيطا للساكن الأحدث تستمر الحياة في صيرورتها ..
تجربة اجتماع مجموعة من الكتاب من ثقافات مختلفة تشبه تجربة الكاتب الجورجي "لاشا بوجادزه" المولولود في تبليسي  عاصمة جورجيا, حيث اجتمع مع مائة كاتب من دول مختلفة  ليستقلوا بدعوة من وزاره الثقافة قطاراً يعبرون به اوروبا ويسمي"اكسبريس الأدب"  يتضمن كتاب بوجادزه علاقاته ببقية الكتاب صعوبات النشر في الوطن وخارجه مجموعة من علاقات الحب والغيرة والمنافسة والإحباط التي يمر بها الكاتب. وللمصادفة تبدا رحلة بوجادزه في اكسبريس الادب في الربيع قبل قصف الروس جورجيا في اغسطس, الكاتب دوما في التجربتين فار من الموت, من الحرب ,من الثورة, من الحب.. وان كانت تجربة اكسبريس الأدب يظهر ابطالها باسماء كودية فتجربة اشباح هاينريش بل  هي بأسماء الابطال الحقيقيين
يتعرض يتعرض لتجربة قاسية ومحنة صعبة يدخرها لنا في نهاية الكتاب , تكون خاتمة لرحلته في الأراضي الألمانية  نعرف عنها في فصل الكتاب الأخير..
 كتب أشباح هاينريش يل يحتوي ايضا يحتوي على مقالات علاء خالد المرسلة إلى صديقه ناصر مسئول النشر في  احدى الجرائد المصرية في شكل مقال رأي اسبوعي المقالات  داخل دفتي الكتاب؛  تتحدث عن الثورة والأمل والمشاهدات اليومية بعناوين شاعرية انيقة, ترصد تلك الفترة المشحونة  في تاريخ مصر.
أماني خليل
نشر بمجلة ابداع 2019






“"حروب فاتنة”.. حروب الإنسان مع السلطة والهوس والمخاوف



“نحن في زمن الرواية” كما يقول الدكتور جابر عصفور لكن من عشرة قصص تحتفي بالحكاية وتحترم الكلاسيكية ولا يغيب عنها التخييل و لها نفس روائي طويل , خرجت لنا مجموعة القاص حسن عبد الموجود “حروب فاتنة” حديثاً
 تتميز المجموعة بنفس روائي وبالطول النسبي , بعضها تمتد إلى حوالي عشرين صفحة تقريبًا, يمكن  للقارئ ان يلاحظ امتداد شجرة الحكايات المتشعبة في القصة الواحدة, لتخلق جذوراً وفروعاً صانعة حكايات أخرى أصغر. تمتد هنا وهناك حكايات جانبية من رحم القصة الأكبر.لتصنع هذا البناء الحكائي الغزير. قصة واحدة قد يخلق لها القارئ نهايات أبكر ففي قصة المجموعة الأولى” دراجة تعيد رفيق الحزب القديم”  التي تحكي قصة رجل انتمي إلى احد الأحزاب السياسية وأخذ في عهدته دراجة لتنقل بها , ومن خلال عمله السري الذي تعرف من خلاله على حبيبته التي تخدم في نفس الحزب والتي تموت في حادث سير, قد يتوقف اي قاص عند هذا الحدث المأساوي الذي يخلق دراميته بنفسه. لكن” عبد الموجود” يستمر في الحكي صفحات تالية ليحكي بغزارة فائقة كيف استمرت حياة الرفيق سنوات بعد حبيبته, كيف ولم تم تكريمه؟ كيف انقضت السنون بعدها؟, فلا يحرم قارئه من مفاجئات اخرى لتمتد  غصون الحكايات الأصغر وتورق.
 التييمة الثانية في مجموعة عبد الموجود تعدد هويات أبطال مجموعة”حروب فاتنة”
ففي  قصة دراجة قديمة تعيد رفيق الحزب القديم” البطل هو توفيق وملاك في نفس الوقت, يقع ملاك في حب رفيقته في الحزب “مونيكا “التي اسمها الأصلي نادية أو هناء البطلة مسلمة تحمل اسماً مسيحياً والبطل مسيحي يشهر اسلامه حين قرر الزواج منها. البطل رفيق وثائر وهو حبيب عاشق.  
أما البطل في “ضحكات التماسيح” فهو صحفي كبير  ينعزل عن العمل الصحفي  يعانيي من التهميش والنسيان بعد سنوات ويعيش حياة باردة مع زوجته التي تشبه صنمًا رخاميًا .وانقطع كل ما كان بينهما الصحفي يعاني العزلة. وهو أيضاً زوج مهزوم رجل مهم فقد سلطته. يمارس الصحفي  القهر والانتقام من الجميع بهويته كزوج في البيت لتصبح زوجته زوجة رجل مهم فقط سطوته , لينتقم من جموع الصحفيين الذين انصرفوا الي اخبار الفن والرياضة باختلاق شائعة هروب احد التماسيح في مكتب تلك الصحيفة!
أما التيمة الثالثة التي تظهر جلية في حروب فاتنة أنها كتابة ماضوية تحيلنا إلى زمن الأبيض والأسود بعبق قديم لولا اشارات قليلة يمكن ان يظن القارئ انها كتبت في الستينات., قصص تدور أيام الأحزاب السرية , ونشاط الرفاق, زمن اغتيال السادات, ومكتبات البيوت التي تزخر بكتب جوركي وبلزاك,  موظفون يعملون في مكاتب خدمية للاتصال تابعة لزمن وحدة مصرمع سوريا في أوائل الستينات حين انفضت الوحدة, وبقى الموظفين يتقاضون رواتبهم من الحكومة
التيمة الرابعة هي  النهايات أيضا  في مجموعة مربكة ومتعددة التأويل وخادعة تفتح للقارىء باب المتعة على مصراعيه لكنها تتركه يغرق مع مزيد من الأسئلة, ففي قصة “ليلة العقرب” تذهب الزوجة المصرية التي يعمل زوجها في اليمن في الثمانينيات لرعايته بعد إصابته بالملاريا ,  مدير المدرسة التي يعمل بها الزوج تثيره الزوجة فيلتهمها بعينيه في سيرها, يعرض عليها العمل مدرسة دين, شرط ان لا تشق على التلاميذ بحفظ القرآن يكفي أن يحفظوا آية ويتركوا الأخرى!
 تضاجع الزوجة زوجها الذي يتماثل للشفاء بحميمية شديدة على مقربة من ناظر المدرسة الي يبيت في بيتهما, لكنها مضاجعة مبتورة, المدير الذي يستمني من الاثارة؛ فيلدغه عقرب, يحاول الزوج اسعاف الناظر المصاب لكن الجميع يتعرض لرجم القرودالمحيطة,  فينكشف صدر الزوجة الذي يستره الناظر بقميصه وليس الزوج , تغرق الزوجة في رائحة الغريب, تندهش ان الغريب يغطيها وأنها سمحت له بذلك , وان الزوج لم يفعلها, فهل رجمت الجلود الزوجين عقابا على ممارسة الغرام بالقرب من رجل محروم؟ ام تتآمر الطبيعة القاسية عليهم, يترك عبد الموجود هذه الأسئلة في يد القارئ وفي قلبه.
 أما في قصة”اشارات حمراء تفضي إلى البحر”فالبطل الذي يعمل في سلطنة عمان يقع في غرام فتاة عمانية , يخاف البطل من السلطان الحاضر برمزه التاج السلطاني . ومن السلطات المحلية, يخاف من أهلها ومن نفسه, يخاف من الفضيحة ومن الأهالي يهرب نحو البحر معها, في مشهد النهاية البديع يقول عبد الموجود” رأى المياه الصافية الجميلة، كان شيء ما غامض يحركه هذه اللحظة، اختفى الغضب، وحلت مكانه سكينة لم يشعر بها منذ سنوات، فتح باب السيارة وأخرج كرسي البحر، وعدداً من الكتب، سمح ليدها أن تمتد لتحيط بخاصرته، حاولت الالتصاق به بأكبر قدر من جسدها، ألقى الكتب على الرمال بالقرب من البحر، ربما المياه زرقاء وربما هي خضراء، ربما هي بحر العرب، وربما المحيط الهندي، ربما يرتدي ملابسه، وربما لا يرتديها، ربما تنظر زوينة، الممددة على الأرض، للسماء ربما له، كانت قدماه تلامسان الماء ومع هذا كان يقطع المسافة إلى الربوة جرياً، دون أن يتزحزح ملليمترات عن الماء، ربما عن جسدها.”
في قصة “ماء العقرب تراب العذراء” يعمل الصحفي في جريدة مشرفًا على باب الأبراج, يطلب منه رئيسه  كتابة طالع حسن لبرج الثور  الذي ينتمي إليه رئيس البلاد الحالي في القصة والسابق في الحقيقة, يتعرف الصحفي على فتاة فقيرة يدعوها لخدمة أبيه المريض لكن سرعان ما يقع الأب والأبن في غرام الفتاة المخطوبة لشخص ثالث  يتلاعب الأبن  بطالع برج العذراء الذي تنتمي اليه الفتاة ليدفعها لترك خطيبها, بينما يكشف الأب خدعة الإبن للفتاة ليأتي مشهد النهاية ؛  باقتناص الاب المريض الفتاة لنفسه!
 يخاف الأبن من  الجميع ويشعر بغضب شديد, العقرب سرق فتاته مولودة العذراءالتي تتعطش للماء. بينما يتواجه الثور والأسد الذين يمثلان الرئيس والوزير في القصة ليبطشا ببعض ثم يتجه الثور ليبطش بالصحفي الإبن نفسه.  من خدع من هل خدع الصحفي رئيسه ام خدع الفتاة؟ هل خدع الأب المريض بالسرطان ابنه؟ ام خدعت الفتاة الرجلين.. تتركنا النهاية الفاتنة المخاتلة امام أسئلة لا نهائية
التيمة الخامسة والأهم هي الصراع مع السلطة  بأشكالها المتعددة سواء سلطة عمل, سلطة سياسية,سلطة الخوف, المرض, يبدو أن أبطال حروب فاتنة مهمومون طوال الوقت بثنائية التمرد والهرب من بطش السلطة, ففي قصة ” النوم مف فتاة مودلياني” البطل موظف البنك بسيط غارق طوال الوقت بين متعتين, النوم والجنس يحب البطل لوحة مودلياني عارية الكتفين يحلم بالنوم معها وإلى جوارها ,يحلم بالاستغراق في النوم نفسه,  في سيارات الأجرة في  حجز القسم حين يقبض الضابط عليه ويحرض أمين الشرطة أن يلقيه  لينتهكه”الحبسجية” الذين يحرقون اكياسا بلاستيكية  بين اصابع قدميه فيحترق شعرها ويواجه ألم السائل الساخن الذي ينساب على قدمه, كما يواجه تأنيب مديره طوال الوقت .ويواجه الخوف من الضابط. يواجه البطل مخاوفه ورغباته في آن معاً. السلطة في  “النوم مع فتاة مودلياني” سلطة مزدوجة سلطة الضابط والمدير, وسلطة النوم بمتعتها البدائية ورغبته في  ممارسة الجنس  مع فتاة ترقد عارية في لوحة مثبتة على جدار!
في قصة “اشارات حمراء  تفضي إلى البحر” البطل المغترب يقع في حب فتاة عُمانية ويخشي كل السلطات بدءاً من السلطان الذي يحلم أنه يستجوبه .حتى الأهالي, قادة الموكب, انتهاءا بالخوف من ذاته,من رغبته فيها ومن  رغبة لا نهائية في الهرب.
 هذا الخوف يطل في قصة” العرض الأخير” بشكل أكثر حدة البطل والبطلة الموظفّين في شركة اتصالات يرغبان في ممارسة الجنس في مكان آمن, لكن لا يوجد هذا الأمان, البطلان في مواجهة كاميرات المراقبة في الشركة ولا يوجد مكان مناسب سوى الأرشيف, والذي  يلفظهما  بسبب انفتاح احد الأدراج_الذي يستند عليه الفتاة_ ليصبحا في مواجهة العمال والموظفين, يخرج العاشقان للشارع في مواجهة سطوة الجماهير  المنفلتة في لحظة الثورة التي تصبح  خلفية   المشهد ولتسبغ عليه  فيضا من العبث والجنون
 يذهب العشقان للبيت بجوار احد السجون,  ليكون السجن برمزيته خلفية لثنائية القمع والسلطة التي تواجه ابطال عبد الموجود طوال الوقت.
لا  تحدد لنا النهاية هل حظي العاشقان بتلك المضاجعة في النهاية وعلى خلفية صوت مامور السجن في الميكروفون. أم ظل البطل حبيسس خوفه ولهاثه مواصلا اغلاق الستائر و احتضان حبيبته .
 يقول عبد الموجود” لا اعرف في أي شيئ تفكر سيمون المؤكد أن عينيها معلقتان بفناء السجن لا تحيدان عنه, لعلها لم تشعر بارتخاء عضوي بين كفليها. فجأة سمعنا المأمور يهتف في الميكروفون:” اعملولهم اللي عايزينه” صوته اختلط بصوت السجين. الذي لا يزال يهتف” يا ريت تبدأوا العرض بسرعة”!”, المامور بشكل ما نجح في النهوض وربما الجري إلى غرفة ما والإمساك بميكروفون آخر وبدأ في ترديد ندائه , فهل يقصدنا نحن أم يقصد ضباطه؟! ربما  ربما يأمر ضباطه بترك المساجين ليشاهدوا العرض. وربما لأنه ادرك صعوبة النجاح في المعركة يريد منا بدء العرض فرصته الوحيدة قمع ثورته الصغيرة هي أنا وسيمون ينتصب عضوي من جديد
اقترب من سيمون لم أر جسماً اشهى منه قبل ذلك, اقتربت مني وأقتربت منها واحتضنتها بحماس غاص جسدها اللدن في جسدي, رأيت أنني لا أريد أن أترك هذا الجسد, لاأريد شيئا في هذه اللحظة إلا ان اكون بداخله.
 ولسبب لا اعرفه , كانت يدي تبتعد مؤقتاً عن جسد سيمون وتغلق الستارة“.
 الخوف من السلطة مقترن أيضا بالهوس بعدم شعور الانسان بالخوف في المطلق,  استغراق الفرد في فرديته وفي مخاوفه وهوسه الشخصي  وبالرغم منوجوده في عائلة مستقرة.  في قصة ” معزة جوركي” الام البسيطة البدائية التي تحب اسرتها تقع في براثن الخوف من المراقبة والتنصت, تخشى جارتها البدينة التي  تقول انها تتنصّت عليها من خلال هاتفها الجوال فتضعه في جهاز الميكرويف و تخبئه في الأدراج حتى لا تعرف الجارة أسرار بيتها, الأم ضحية الخوف والهوس  تحتضن في بيتها  معزة ضالة تلتهم  كتب مكسيم جوركي, ترى الأم  دموعا أو تتوهم ذلك في عيون المعزة الضالة ورغم أنف اسرتها ترعاها حتى يأتي صاحبها وتنتهي القصة  بمشهد دال على عبثية الحياة في ظل الخوف والقلق فتخرج المعزة فضلات سوداء من أكل الكتب تدهسها اقدام  المارة..
 في قصة “حروب فاتنة” التي تحمل المجموعة اسمها, يواجه الجندي بطش العقيد في أحد معسكرات التجنيد ,الذي يأمره من ضمن مجموعة من اللأوامر بحراسة شجرة الجميز الموجودة في المعسكر من الحيوانات ومن الطيور ومن الأشباح. ان يحافظ على اوراقها وثمارها, يتحمل الجندي مخاوفه وآلامه, يحمل صليب خوفه  الذي يحيلنا الى خوف الإنسان الأول, وكأن شجرة الجميزهي شجرة الثمار المحرمة على آدم .وكأن العقيد إله يحكم كون المعسكر. يخاف الجندي من الرياح أن تحمل الأوراق بعيداً يقول” عبر الجنود أمامه  وبعضهم حياه بيده, وبعضهم الآخر برأسه,فرد  التحية بأصابع واهنة,ثم جاء الليل, وتذكر الثعبان والأشباح, وشعر بالقلق يكبر داخله كان الوقت يمر بدون ان يظهر العقيد هبت رياح فجاة طيرت أوراق الشجرة التي جمعها  على مدار ساعات, في اللحظة التي شاهد فيها العقيد ينظر من الشباك,  ولانه مشوش تخيل أن العقيد يعرف بأمر الأوراق, وربما هو الذي سخر الريح”.
  لغة المجموعة  منضبطة  تصل بالسرد لغايته في التأثير الشعوري والنفسي على القارئ,, الشخوص, مرسومة بعناية وباتساع يهدف بالقارئ للاقتراب من عوالم ابطالها النفسية والوجدانية , دون ترهل يعيب السرد, كما تمتد المجموعة زمانيا  من الماضي   الذي يمتد عقوداً  حيث  زمن  حركات اليسار والرفاق واغتيال السادات والوحدة الي لحظة الحاضر بكل ارباكاته  وصولا الي لحظة الثورة بفوضويتها وزخمها, تمتد مكانيا من الصعيد الي القاهرة من عمان إلى اليمن.
 حروب المجموعة الفاتنة هي حروب الانسان مع السلطة ومع هوسه وجنونه ومخاوفه. حروبه مع نفسه ومع الآخرين التي ينتصر فيها قليلاً وينهزم فيها اكثر.
المجموعة صادرة عن دار الكتب خان نشر بموقع الكتابة الثقافي
    2018